ابن العربي
157
أحكام القرآن
إنما هي بين الجائزين ، لا بين الجائز والممتنع ، ولا بين المتضادّين ؛ ألا ترى أنك لا تقول : العسل أحلى من الخلّ . والجواب عنه من ثلاثة أوجه : الأول - أنه تجوز المخايرة بين المتضادّين لغة وقرآنا ؛ لأنّ اللّه تعالى قال « 1 » : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا . ولا خير عند أهل النار . وقال عمر رضى اللّه عنه في رسالته إلى أبى موسى : الرجوع إلى الحقّ خير من التمادي في الباطل . الثاني - أنه تعالى قال : وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ، ثم لما لم يجز نكاح العبد المشرك للمؤمنة كذلك لا يجوز نكاح المسلم للمشركة ؛ إذ لو دلّ أحد القسمين على المراد لدلّ الآخر على مثله ؛ لأنهما إنما سيقتا في البيان مساقا واحدا . الثالث - قوله تعالى : ( ولأمة ) لم يرد به الرقيق المملوك ؛ وإنما أراد به الآدمية والآدميات ، والآدميّون بأجمعهم عبيد اللّه وإماؤه ؛ قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني رحمه اللّه . ( التنقيح ) : كلّ كافر بالحقيقة مشرك ؛ ولذلك يروى عن ابن عمر رضى اللّه عنهما أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية ، وقال : أىّ شرك أعظم ممن يقول : عيسى هو اللّه أو ولده ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا ؛ فإن حملنا اللفظ على الحقيقة فهو عامّ خصصته آية سورة النساء ولم تنسخه ؛ وإن حملناه على العرف فالعرف إنما ينطلق فيه لفظ المشرك على من ليس له كتاب من المجوس والوثنيين من العرب ، وقد قال اللّه تعالى « 2 » : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ . وقال « 3 » : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ . فلفظ الكفر يجمعهم ، ويخصهم ذلك التقسيم . فإن قيل : إن كان اللفظ خاصّا كما قلتم فالعلّة تجمعهم ، وهي معنى قوله تعالى : أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ؛ وهذا عامّ في الكتابىّ والوثنىّ والمجوسي . قلنا : لا نمنع في الشّرع أن تكون العلة عامّة والحكم خاصا أو أزيد من العلّة ؛ لأنها دليل في الشرع وأمارات ، وليست بموجبات .
--> ( 1 ) سورة الفرقان ، آية 24 ( 2 ) سورة البقرة ، آية 105 ( 3 ) سورة البينة ، آية 1